الشيخ محمد رشيد رضا

176

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الائنمار بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه ، واستعمال مشاعره وجوارحه فيما ينفعه ويقربه من ربه فالمعاصي كلها خيانة للّه عز وجل . وقد ورد في المأثور ما يدل على ذلك ( ثانيها أمانة العبد مع الناس ) ويدخل فيها رد الودائع وعدم الغش في شيء من الأشياء وحفظ السر وغير ذلك مما يجب لآحاد الناس وللحكام وللأهل والأقربين . قال الرازي ويدخل في هذا القسم « عدل الامراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم » فعلى هذا يكون العلماء الذين يعلمون العامة مسائل الخلاف التي تثير التعصب بينهم والذين لا يعلمونهم ما ينفعهم في دنياهم من أمور التربية الحسنة وكسب الحلال وما ينفعهم في آخرتهم من المواعظ والاحكام التي تقوي إيمانهم وتنفرهم من الشرور وترغبهم في الخيرات - كل أولئك العلماء من الخائنين للأمة . وهذا القسم يمكن أن يقسم إلى اقسام فيجعل رعاية أمانة الحكام قسما ورعاية أمانة الأقربين من الأصول والفروع والحواشى قسما ، ورعاية أمانة الزوجية والصهر قسما ومنها ان لا يفشي أحد الزوجين سر الآخر ولا سيما السر الذي يختص بهما ولا يطلع عليه عادة منهما سواهما ، ورعاية امانات سائر الناس قسما ( ثالثها أمانة الانسان مع نفسه ) وعرفها الرازي بأن لا يختار لنفسه الا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا وان لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة . أقول ومن ذلك الذي أجمله توقي الانسان لأسباب الأمراض والأوبئة بحسب معرفته وما يستفيده من الأطباء وذلك يدل على أن رعاية هذا النوع من الأمانة يتوقف على تعلم ما يحتاج اليه من علم حفظ الصحة ولا سيما في أيام الأمراض الوبائية المنتشرة . مثال ذلك أنه قد عرف بالتجارب نفع بعض ما يعمل للوقاية من المرض كتلقيح الجدري ، ومن ذلك التداوي عند وقوع المرض . وتفصيل رعاية هذه الأمانات يطول وسنعيد البحث فيها عند تفسير تلك الآيات ان انسأ اللّه لنا في العمر ( المسألة الرابعة ) قدم الامر بأداء الأمانات على الامر بالعدل لان العدل في الاحكام يحتاج اليه عند الخيانة في الأمانات التي تتعلق بحقوق الناس والتخاصم إلى الحاكم والأصل ان يكون الناس أمناء يقومون بأداء الأمانات بوازع الفطرة